عودا على بدء واستكمالا للهدف التي أنشأت من خلاله هذه السلسلة  لتضم ما يهم الطالب السوري  في حال رغبته أن يكمل دراسته العليا في فرنسا وبخاصة للحصول على شهادة الدكتوراة، وساقوم بالتفصيل فيها وبخاصة ما يخص الجوانب المادية كونها هي العقبة الأساسية التي تواجه الطلاب السوريين.

لنبدأ المقالة بخبر جيد ومفرح ، وهو ان رسائل الدكتوراه هنا في فرنسا كلها مدفوعة الاجر حسب النظام المتبع هنا، ، وهذا يعني انك لن تدفع شيئا طوال فترة إقامتك هنا وإنما ستكون الدكتوراه عبارة عن عقد عمل قد يكون بينك وبين مخبر الابحاث في الجامعية أو بينك وبين المخبر وبين الشركة التي يهمها البحث الذي تعمل عليه في أغلب الحالات. الراتب الشهري لهذا العقد مختلفة ومتفاوتة حسب العقد وحسب نوع المنحة ولكن في العادة يمكن ان يتراوح المبلغ بين 1400 – 2200 يورو شهريا ولا يقل عن 1000 يور في اسوء الحالات ( التي قد تكون عبارة عن منحة من مؤسسة ما كالفرنكوفونية في سوريا مثلا).

مدة العقد ثلاث سنوات غير قابلة للتجديد إلا في حالات نادرة واستثنائية ، وساعات العمل هي سبع ساعات يوميا.

أي طالب حاصل على ماجستير بنوعيه المهني  ( سنتين دراستيين + ستاجين تدريبين في شركة ما) أوالبحثي ( سنتين دراسيتين + أطروحة ماجستير) له الحق في التقدم لطلب درجة الدكتوراه إلا أنه في بعض الحالات القليلة يطلب أن يكون الطالب حاصلا على ماجستير بحثي كشرط مسبق للتقدم للبحث المطلوب.

وكلن يبقى السؤال : انا طالب سوري معي درجة ماجستير واريد ان أكمل دكتوارة في فرنسا فمن أين أبدا؟

البداية تكون في التوكل على الله والبدء في البحث عن رسائل الدكتوراه والأبحاث الت تناسب اختصاصك ، فهنا كافة المخابر ضمن الجامعات لديها سنويا أبحاث تعمل عليها وتنشر سنويا على مواقعها على الانترنت نشرة من صفحة او صفحتين  تتضمن مايلي

  1. اسم البحث الذي سيعملون عليه
  2. شرحا مختصرا عنه
  3. التمويل : سواء كان عقدا او منحة وقيمتها
  4. مؤهلات الطالب المطلوبة للتقدم لهذا البحث ( مستوى اللغة – الاختصاص _ البرامج الحاسوبية – مهارات اخرى )
  5. الموعد النهائي لتقديم الطلبات
  6. هاتف أو البريد الالكتروني للمشرف على البحث

ولكن من الصعب والمتعب البحث في كافة مواقع الجامعات ومخابرها المختلفة والمتشعبة لحد كبير عن هذه النشرات والتي ستنتزف وقتا كبيرا،  ولتسهيل الامر فقد قام موقع على الانترنت بتسهيل هذه المهمة حيث يقوم دوريا بنشر كافة هذه النشرات  الصادرة عن كثير من جامعات ومخابر فرنسا ، وفيه قاعدة بيانات ضخمة جدا وقابلة للبحث والانتقاء على حسب الاختصاص ومحال البحث او على حسب الراتب وما إلى ذلك من خيارت رائعة

http://www.intelliagence.fr/

ما عليك إلا أن تدخل للموقع وتنشأ حسابا فيه وتقوم بالبحث عن الأطروحة التي ترى انها مثيرة لاهتمامك وتبدأ بمراسلة المشرف عليها وتخبره أنك مهتم بهذا البحث والذي سيقوم بدوره بالطلب منك أن ترسل له بعض الوثائق وهي غالبا ( شهادة الماجستير_ كشف علامات اخر سنتين _ السيرة الذاتية _ رسالة الدافع lettre de motivation وي رسالة تشرح فيها مؤهلاتك ولماذا أنت مميز عن غيرك لاختيارك لهذا البحث وتحوي معلومات غير موجودة في السيرة الذاتية

أغلب الجامعات تبدأ طرح أبحاثها في الشهر الخامس ويكون أخر موعد لاستقبال الطلبات هو في الشهر السادس طبعا مع بعض الاستثناءات

قد يطلب منك مقابلة هاتفية او شخصية وخاصة كونك أجنبي وذلك للتأكد من مستواك باللغة الفرنسية وأنه يؤهلك لعمل هذا البحث بدون أن تكون لغتك عائقا أمام هذا الهدف

من المهم ان تقدم على أكثر من بحث ولا تعتمد فقط على بحث واحد لزيادة فرصك في الحصول على الدكتوراه وإذا قبلت في رسالة ما ولم تعجبك او لم تتأقلم فغنه بإمكانك خلال الأشهر الأولى أن تترك وأن تنسحب منها بدون مشاكل.

في المقالة القادمة نتكلم بعون الله عن الاوراق المطلوبة وكيفية الحصول على الفيزا وعن التكاليف المادية للحياة في فرنسا.

كان قد مضى على وجودي هنا ثلاثة أسابيع وانا أبحث هنا وهناك عن مسجد في المدينة التي أعيش فيها دون جدوى…فمن سالته هنا من الناس لم يسمع أبدا بوجود شيء كهذا ومن سألته من المشرفين علي في الجامعة قالوا لي أن أقرب مسجد هو في المدينة المجاورة التي تبعد سبعين  كيلو مترا!!!!

كنت أعيش في حالة ضيق الصدر إذا أنني أحسست أن وجودي هنا يستحيل التأقلم معه، وقررت قرارا حاسما أني سأعود فورا إلى سوريا بعد انتهاء مشروعي هنا فقد كان الوضع لا يطاق، وكل ما تراه هنا يجعلك تعيش في دوامة المادة وتحيا في الأنا التي يبرع الفرنسيون غيرها ، وتقضي عمرك بين ذاهب إلى العمل وراكض إلى المحطة خ أو ذاهبا مع صديقتك لترفه عن نفسك في حفلة أو مرقص أو خمارة أو سينما !!!! وحدث ولاحرج عن المرفهات الموجودة هناّ!!!!

لا تزال تطن في أذني دائما كلمات المشرف علي عندما يودعني عندما أنتهي من عملي بقوله ( رفه نفسك جيدا) وهي  ديدن حياة الناس هنا ……مارثون يومي يبدأ بالعمل ويمر بالأكل وينتهي بالمتعة وهكذا دواليك….في دولاب حياة يمر يوميا على هذا المنوال

لا أدري لماذا أشعر  بانقباض واضح عندما أدخل إلى غرفة أحد ما هنا، فهناك أحس ظلمات بعضها فوق بعض : ظلمة المكان بحد ذاته فهنا الجميع يفضل الإنارة الخافتة  في غرفه وهو ما لم اعتد عليه…وظلمة الحياة التي يعيشها …تلك الحياة الخالية من أي بوصلة ورادار يوجه حياته ويعطيها أي معنى أو أية قيمة او هدف سام….وظلمة الصور التي تملأ الغرفة فهنا ممثلة وهنا مطرب وهنا عارضة وهنا صورته مع صديقته بوضع شديد الدناءة وقوارير الخمر تملأ المكان  ورائحته تزكم الانوف فهي من الضروريات التي  يموت الفرنسيون إن عاشوا يوما واحد بدونها …..وتعرف ما معنى أن يكون هناك أناس يموتون في الحياة

في خضم تلك الظلمات كنت أتمنى أن أجد ذلك النور وذلك الشعاع الذي يساعدني على تيديد هذه العتمة ويشق ظلامها…ذلك النور هو  المسجد الذي افتقدته كثيرا خلال تلك الأسابيع الفائتة وقضيت أيامي  كلها هنا وانا أعرف أن هناك شيئا ما ينقصني  ….. المسجد منبع النور ومبعث الهدى بكل  ما يجسده من معاني هو ما أحتاجه هنا في غربتي وفي وحدتي  .في خضم ما تعيشه هنا حيث لا ترى الا ظلاما لا تسطع في ثناياه بارقة أمل، ونوما لا ترى في خلاله إمارة حياة

!!..ذلك المسجد الذي قيل لي أنه غير موجود وعندما سألت عنه لم يعرفه أحد إلا أن يسر الله لي وعرفت أن هناك مسجدا صغيرا جدا في عمارة ليست بعيدة كثيرا عني….

كانت  أول صلاة لي في ذلك المسجد هي صلاة الفجر ….وقبل أن أذهب للصلاة تبادر إلى ذهني أن أسأل الحارس في البناء الذي أسكنه إن كان آمنا  اخرج وحيدا في تلك الساعة المبكرة، حيث الكل نائم والشوارع خالية من روادها ، وربما يحصل ما لاتحمد عقباه…حيث أن المدينة بشكل عام لا ترى فيها أناسا في الشارع  إل قليلا بعد العصر فما بالك أن تخرج وحيدا في الساعة الرابعة صباحا وتمشي 2 كيلو متر إلى أن تصل إلى ذلك المسجد!!!! سؤال وجيه كان لا بد أن أسأله…هكذا كنت أقول لنفسي وقتها ولكنني في نفس اللحظة شعرت بنفسي تتضاءل وتتضاءل حتى تضمحل وتتلاشى ….كنت أشعر بالخجل جدا أن أسأل هكذا سؤال وانا جئت من بلد يخرج الناس فيه لصلاة الفجر  وحولهم الجيش يحاصر مدينتهم وفرق الموت والإرهاب التابع لقائدنا المغوار تتجول وتبث الرعب والفزع في نفوس الناس ومع ذلك لا شيء يوقفهم عن الصلاة رغم كل هذا الترويع… و جئت من عند قوم يتجرعون الصاد وينشقون رائحة البارود ويستيقظون على إطلاق الرصاص وينامون على دوي القنابل

يخرج أحدهم وهو يسمع دعاء امه خلفه أن يأخذ حذره فهو يمشي بين قوم لا عهد لهم ولا ذمة، ولسان حالها يدعو له من أعماق قلبها …فلا يملك إلا أن ينظر إليه ويقول بثقة ….لا تقلقي فالله هو الحامي!!!!

أقول لكم نعم شعرت بدناءة وصغار شديدين أن أخاف من  لص أو قاطع طريق مفترض أسمح له أن يقف بيني وبين أن أقف بين يدي جبار السماوات والأرض..بعد أن كنت أتشوق بشدة للصلاة جنب أناس مسلمين بعد أن أمضيت الثلاثة أسابيع الأولى بين قوم تشعر بينهم بأنك مادة لا أكثر ولا أقل !!!!!

في هدأة الأسحار و سكنات الليل حين يرق الافق ويصفو الكون ويتجلى الله على الجود فيسري الإيمان في كل جنان ، وتنزل الرحمة في كل مكان ما أروع أن تمشي إلى  المسجد ن خطواتك التي تخطوها ترسم لك طريق حضارة غير الحضارة التي يرسمها له الطريق إلى فرنسا وتشعر بسعادة غامرة وترى كل ما حوله جميلا رائعا وكأن كل ما حولك يحتفل فرحا بعودتك بعد انقطاع…… كانت الظلام مخيما ما عدا بضعة أنوار هنا  وهناك …… وكأنها تقول لك انك ومن يصلي الآن في المسجد هم الذين  يجب أن ينيروا بفكرهم وعملهم ودينهم حياة الناس المظلمة هنا بشتى أنواع الظلمات..

كنت متشوقا جدا لسماع الأذان …ذلك النداء الرباني الخالد الذي افتقدته  تلك الكلمات الهادرة الصافية تلخص مبادئ الدين و تجمل دستوره، الاذان الذي يدل على أن دينننا سهل تختصر مبادئه في كلمات الوحدانية والرسالة والعبادة والسعي لكل خير ينفع الفرد والأمة  لم يعرف أبقى منه على الدهر خلودا

عندما تدخل للمسجد تشعر أنك وقفت على كنز تبحث عنه منذ زمن بعيد وتشعر بالنشوة غامرة تملأ جوارحك..فالمكان بأكمله يحتضنك ويقول لك انه قد افتقدك كما افتقدته…ويزيد من ذلك ترحيب الناس بك هنا إذ يرون فيك قادما جديدا وزائرا جاء من سوريا،  التي بدؤوا جميعا بالدعاء لاهلها ان ينصرهم وأن يهلك طاغيتها ويجعله عبرة لمن اعتبر وأن يلحقه بسلفيه المخلوع والمطرود عاجلا غير آجل….

مسجد صغير بإضاءة عادية وبمحراب صغير بسيط وبهندسة بسيطة لا يشبه أبدا الكنائس التي زرتها هنا …ولكنه يحمل بين جنبات هذه البساطة قوة عظيمة تجعلك تحلق بين شاهق بروحك وغارق بدمعك ..في كل لحظة تشعر فيها أنك بين يدي الله وأنه أمامك يحميك ويرشدك ويسددك ،ويعطيك عزيمة تزيح الراسيات وهمة تحمل الجبال لتكمل كفاحك في هذا اليوم لتنبقى  مستمسكا بنهجه وسائرا في طريقه رغم كل المغريات هنا…..

مع كل صرخة الله أكبر هنا تشعر ان هناك طعما مختلفا لها فهي ليست كالله أكبر العادية التي تقولها وأنت في بيتك بين تعب ونائم وتؤدي الصلاة كفرض ينبغي إسفاطه…وإنما هي هنا قوة جبارة تملأ عينيك بالدموع ……وومضة ساطعة تملأ قلبك بالنور …. ورب كلمات يقطر منها الدموع… ورب حروف هي قلوب تنفطر

الآن والآن فقط أفهم فهما عميقا لماذا ينحرف كثير من الناس عندما يسافرون من بلادهم إلى بلاد أخرى وبخاصة غن كانت غربية الثقافة ولماذا يعودون بوجه آخر غير الذي عادوا به
الآن أفهم لماذا يخرجون من بلادهم بوجه حيي كوجه العذراء ليلة عرسها ويعودون بوجه شبيه بوجه الصخرة الملساء في الليلة الماطرة.
الآن أفهم لماذا يذهب بقلب نقي طاهر يأنس بالعفو ويستريح إلى  العذر، ويعود بقلب لا يفارقه السخط على هذه الأرض وأهلها، وعلى السماء وخالقها.
ولماذا يذهب بنفس غضة خاشعة متواضعة ترى كل نفس فوقها، ويعود بنفس متألهة لا ترى شيئا فوقها
الآن أفهم وأفهم بعمق لماذا ذهب برأس مليء حكما ورأيا، وعاد برأس مثقوب لا يملئه إلا الهواء المتردد
الآن أدرك لماذا يسافر وما على الأرض أحب إليه من دينه وبلده …ويعود وما في عينيه أصغر في الدنيا منهما
الآن أدرك كم هو الفرق الشاسع بين أن تكون مسلما  صاحب عقيدة في بلدك وبين أهلك وبين ان تكون متدينا صاحب عقيدة  وحيدا غريبا في بلد غربي  …
الأن تعرف أن هناك حجرا ساخنا جدا يزداد سخونة وحرارة كلما ازدادت فترة مكوثك هنا عليك أن تمسك به في يديك وان تتمسك به رغم انه كاو وحارق …
الأن تعرف أن هذا الحجر كاو وحارق ولكنه في نفس الوقت يعطيك طمأنينة وراحة لا تشعر بها إن أفلته من يدك …بل سيجعلك تعيش في جهنم طول حياتك وأنت تظن في لحظة ما أنه سيدخلك جنة من أوسع أبوابها …ولكنك تعلم في قرارة نفسك أنك تكذب على نفسك…..
هنا تدرك جيدا ما معنى أن تكون قابضا على الجمر!!! وكم هي مؤلمة تلك اللحظات التي تمسك فيها هذا الحجر المشتعل وتعرف ان هناك قيما ومبادئ متجسدة في هذا الحجر إن أنت تركتها فقد تهوي في جحيم أسود  هنا يسمونه…. جنة!!! وفي عبودية مقيتة تسمى ….حرية!!! …وفي انغلاق وكآبة تسمى انفتاحا!!!!…وفي انتكاسة حيوانية تسمى حضارة!!!!
 … ولكن قبضتك التي يخرج منها الدخان في نفس الوقت ستجعلك تشعر بنشوة لا تعدلها أي نشوة وتعرف أن هناك شيئا يسمى حلاوة الإيمان سيتذوقه في مرات قليلة، ولكنك في اللحظة التي تذوقه بها فإن كل دعاءك سيصبح بينك وبين ربك أن يديم عليك هذه اللحظات وأن يعيدها عليك دائما لانك قلما تصيب منها …وإنها إن ذهبت فلن تعود أبدا
إمساكك بهذا الحجر سيجعلك تستيقظ صباحا  تنظر في المرآة لترى شخصا في المرآة  يقول لك مبتسما كنت خائفا أن تبيعني في الأمس !!!
الأن تدرك بشكل لم تكن تتخيله أنك على حافة جرف هار…إما أن تسقط إلى الهاوية  ولا نهوض بعدها أبدا ….وإما أن تصعد إلى القمة ولا هبوط بعدها أبدا
على الحافة تماما..فإما أن تصعد وإما أن تهوي ….والقرار بيدك! وعليك ان تأخذه في لحظة واحدة…وسريعة …وخاطفة
الآن تدرك ان هناك مفترق طرق …..وانت واقف أمامه تماما وعليك ان تختار ولا رجوع….والقرار مرة ثانية بيدك…ولا وقت كثيرا للتفكير
وقت التفكير هنا محسوب عليك وتعرف أن حياتك السابقة وكافة أفكارك ومبادئك وتصرفاتك  التي كنت معتادا عليها في بلدك هي من ستأخذ هذا القرار عنك في تلك اللحظة الخاطفة…
لا تظن ان القبض على الجمر هو فقط في أمور الجنس فقط فهو ابسطها …ولكن ان تعيش ضمن منظومة قيمك السامية وأن لا تترك تلك القيم ولا أن تدنسها مهما كان الوضع هنا صعبا….وأن لا تدع  شلالات الطوفان الهائل من القيم الردئية التي ستراها هنا تضرب رأسك  …فإما أن تجرفك معها ….وإما أن تقف سدا منيعا في طريقها وتدفع الثمن!!
لا مجال لأنصاف الحلول هنا….قرارك يجب أن يكون واضحا جدا وصريحا لا مجال للمراوغة …لا مجال لأن تقول أخذ من هنا ومن هنا فيما يخص ثوابتك …لأنك إن ركبت سفينة قوم فإنك لا بد ستصل إلى حيث يصلون …حتى ولو أدرت ظهرك للاتجاه الذين يبحرون إليه….  
الآن تدرك لماذا يعود الناس بوجه غير وجههم لأن الاختيار هنا هو اختبار رسوب أو نجاح ..فوز عظيم أو خسارة مذلة…المشكلة ان الخسارة هنا ليست واضحة تمام فهي كخسارة لاعب القمار عندما يربح في الجولات الأولى ولا تكاد الدنيا تسعه من الفرح…..ويكون الاون قد فات عندما ياتيه نبأ  خسارة الجولة الأخيرة وتكون هناك الضربة القاضية…
الآن تدرك أنك كائن مكرم وأن هناك من يأبى إلا أن ينحدر بنفسه وينزع عنها صفة التكريم البشري وينحدر بنفسه إلى مستوى الحيوان
نعم ترى ذلك بوضوح هنا رغم أن الصورة تكون مشوشة عندما لا تكون داخلها ولكنك عندما تدخل إليها سترى فعلا أن هناك قسما من البشر نزعوا عنهم التكريم الرباني الخالد ….ولا يشعرون….وأنت تنظر إليهم بحزن ترى سلاسل واضحة في رقابهم مخفية عنهم ولكنك تراها بوضوح…
كبيرة …غليظة وثقيلة….  شبيهة بتلك التي كنا نضعها في رقابنا طوال أربعين عاما …لم نكن نراها …لكننا عندما رأيناها هالنا واقعنا الذي كنا فيها وكيف كنا نقبل ذلك على أنفسنا …خلقنا أحرارا وهنالك من يستعبدنا….ويركبنا وبل يسوقنا ويدوسنا …..وعندما رأيناها بوضوح فقد كان القرار واضحا ولا رجعة فيه…لا حياة مع هذه العبودية ولا كرامة بدون تحطيمها….المهم أن نرى فقط هذه السلاسل اللامرئية وبعدها لا مشكلة فتحطيمها سيكون تلقائيا لأنه لا حياة معها ….
نفس الأمر تراه هنا ولكن الفارق ليس كبيرا …هناك بشرا مقيدون ولكن ليس بسلاسل طاغية  كسلاسلنا وإنما بسلاسل من نوع أخر…إنها سلاسل من الصعب أن ترى ….ومن الصعب أن تلمس ….خلقت حرا ولكن هذه السلاسل تجعلك تعيش بنمط حياة مفروض عليك…. يبدأ بالجنس وينتهي بالخمر وما بينهما قصة لا تنتهي
لذلك فالهروب من الواقع هو الأمر الأمثل……ولا أفضل  من الجنس والخمر الذي يحعلك تهرب من واقعك إلى واقع أخر ينسيك هذا الواقع الذي تظن نفسك سعيدا به…….ولا تستغرب أن ترى الخمر هنا أكثر من الماء في بلدك!!!! ولا تستغرب أن ترى غرف النوم في بلدك في الساحات العامة هنا!!!! ولا تستغرب أن  أغلب الجالسين في المترو يقرؤون روايات تغذي النزعة الجنسية!!! ولا تستغرب أن ترى اللباس هنا فقد قيمه ولم يعد يحمل أي قيمة او أية فضيلة!!!
إنها سلاسل … تود أن تريهم إياها …تود أن تصرخ بأعلى صوتك ان انتبهوا فهناك من يجركم إلى طريق رسم لكم…إنني أراه …..ولكن هم من يجب أن يروه وإلا كانت صرخاتك في مهب الريح …… المشكلة ان لا أحد هنا ينبههم إلى تلك السلاسل ..وهم طيبون ومسالمون  فقط يحتاجون إلى نور بسيط في العتمة التي يعيشون فيها …..ولا أبو عزيزي هنا ليريهم إياها كما فعل لنا ….ولا كلمات هنا لأبي القاسم الشابي ترسم لهم درب الخلاص …

ربما يتسع المجال ولازال للحديث عن الأمور الجميلة قبل أن ننتقل إلى الأمور السيئة التي أعاني منها هنا بشدة والتي يأتي دورها تباعا

 

من الأمور التي لا بد أن تلفت نظر كل سوري هنا أن يرى أنه لا مهنة محتقرة هنا نهائيا وهنا الأشخاص يعاملون بعضهم على أنهم بشر، ولا يعاملون بعضهم على أن أحدهم طبيب والأخر عامل تنظيفات أبدا وقد شاهدت من الطلبة ممن يعملون عند البلدية في جمع القمامة وتنظيف البلدة وكان ذلك عاديا جدا هنا. وقد كانوا في قمة اللباقة والذوق

نفس الأمر ينطبق على ما أشاهده في الجامعة فمديرها هو أحد المشرفين على بحثي وأنا أحتك به دائما وقد رأيت كثيرا من التصرفات التي استغربتها أنا هنا لأنني فورا قد قمت بالمقارنة بين رئيس الجامعة هنا وبين عميد الكلية الهمك التي درست الهندسة فيها وفرق واسع بل وهائل في التصرفات سيلفت النظر بالتأكيد

فهنا علاقة المدير بالسكرتيرة علاقة زمالة وصداقة رهيبة ومزاح دائم بينما هناك العلاقة علاقة رئيس متكبر ومرؤوس صاغر يخشى أن يعاقبه أن يصرخ في وجهه في أي لحظة.ورئيس الجامعة هنا يقوم بكل شيء بنفسه فيتصل بنفسه ويبحث عن الأرقام بنفسه ويقوم بالتصوير والبحث عن أغراضه الخاصة بنفسه  وتنظيف وترتيب مكتبه بيديه والسكرتيرة ليست لتأمين مستلزماته وإنما لضمان سير الأمور الإدارية في الجامعة بعكس ما هي عدنا حيث انها بمثابة خادمة إن صح هذ التعبير وعندما يأتي إلى الجامعة في الصباح فإنه يدور على كل المكاتب ويقوم بتحية الموظفين  واحدا واحدا وكذلك يفعلون جميعا  

وأكثر ما يلفت النظر هنا أيضا أنهم سواسية في كل شيء في تعاملهم مع بعضهم فقد حضرت لمرتين حفل غداء سنوي لكادر الجامعة هنا وقد رأيت عجبا فالكل يطلب من بعضه أن يساعده ابتداء بالإداريين ومسؤولي التنظيف ومرورا بالدكاترة وانتهاء برئيس الجامعة الذي طلب منه أكثر من مرة أن يحضر بعض السلطة وبعض الفواكه للذين بجواره وقد قام بتحضير الطعام مثله مثل أي واحد  هنا كما أنه كان يقوم يشوي اللحم وتقطيعه وما إلى ذلك مع مزاح لا يكاد يتوقف مع كل من كان بجانبه وقد كان ذلك منظرا رائعا يريك أن الناس هنا تحترم بعضها لكونها بشرا وليس لكونها صاحبة مهنة ترفع أن تخفض من شأنها. ومن ما يدل على ذلك أيضا أنه قد طلب لي وجبة طعام حلال وأرسل أحدهم إلى السوق ليحضرها بعد ان أخبرته أنني لا آكل مما يأكلون منه ولا أشرب، واعتذرت عن حضور هذه الغداء  لكنه رفض بشدة وأرسل من يحضر لي  من السوق ما يناسبني ، وانا أظن أنه كان يشتمني في نفسه طول الطريق ذهابا وإيابا لأنه كما قال لم يعرف ماذا يحضر ولم يعرف ما  معنى أن يحضر لحما حلالا، كما قد شرحت لمدير الجامعة وأنا أعتذر له عن حضور الغداء .

المكتبة هنا في الجامعة لا تشبه أبدا أي مكتبة نراها في أي جامعة سورية فهنا المسؤول عن  المكتبة يعرف كل شاردة وواردة فيها ويكفي أن تخبره عن ماذا تريد أن تبحث ليقوم من فوره بإرشادك إلى ما تريد… وهي ضخمة جدا  ومفهرسة حسب المواضيع وفيها حواسب خاصة بحيث يوجد برنامج فهرس لكافة الكتب الموجودة فيها بحيث أنك إذا أردت كتابا معينا تقوم من فورك بمعرفة إذا كان متوافرا أم لا .. وهي مجهزة أيضا بقاعة اجتماعات وطاولات بأعداد هائلة بحيث تتسع قسما كبيرا من الطلاب الذين يسمح لهم باستعارة أي كتاب لمدة لا تزيد عن سبعة أيام وذلك طبعا عبر بطاقة الطالب بواسطة برنامج خاص. والنظام داخلها صارم بحيث أنه لا طعام ولا شراب ولا هواتف محمولة ولا أغان ولا من يستعرض أخر النغمات التي أنزلها مؤخرا على جواله ولا هم يحزنون. وطبعا على بابها توجد صفحة خاصة بالشروط التي يجب الالتزام بها ومواعيد فتحها وإغلاقها.

 

الناس هنا بشكل عام مؤدبون جدا في تعاملهم مع غيرهم ويلتزمون جميعا بأصول اللباقة والاحترام حتى أنني كثيرا ما أرى أناسا تدل أشكالهم على أنهم مجرمين او سفاحين و(خريجة حبوس)  ولكنهم عند الكلام والاعتذار والسلام يتحدثون بلباقة شديدة لا تتوافق أبدا مع كمظهرهم المخيف في بعض الأحيان …تلمح هذه اللباقة كثيرا عندما تصطدم بأحد في السوق  أو عندما يكون الطريق لغيرك ويفسحه لك برحابة صدر أو عندما تريد أن تستفسر عن شيء أو عندما تدخل وتخرج إلى  أي موظف أو عندما تدفع الحساب في المراكز التجارية وحتى الآن لم يشذ عن هذه القاعدة أحد معي حتى موظفو الأمن في المولات الكبيرة يتصرفون بمنتهى الاحترام عند تفتيشك عند الدخول مع عبارات سلام وتلطف لا تلمحها أبدا عند أي موظف أمن سوري الذين يختارون عادة ممن نفخوا عضلاتهم وأراقوا ماء وجوههم و أفرغوا كل ما عقولهم من فهم وحكمة إن وجدت أصلا وقطبوا جبينهم ليعطوا الوهرة المناسبة للعمل الذي يطلب منهم.

المواعيد هنا تكاد تذهلك فهي بالدقيقة وباجزاء الثانية والكل يلتزم بها التزاما شديدا وأول ما قال لي المشرف على بحثي هنا الذي كان يدرسنا سابقا في سوريا  عند استقبالي هنا أنني يجب أن أنسى ماتعودته في سوريا من تسيب وإهمال في المواعيد وأن أنسى ذلك الماضي تماما لأنني إن تصرفت هنا بأخلاق السوريين  فسأكون في ورطة كبيرة ، مع انني واغلب أصدقائي يعلمون أنني احترم مواعيدي في سورية واعتبرها جزءا من شخصيتي وفرضا دينيا كما هي الصلاة والصوم و أحترمها حتى لو كان من ألتقيه وأواعده لا يلقي لها بالا، وقد سبب ذلك لي كثيرا من المشاكل مع الكثيرين … ولكنني في لحظة ما اضطررت أن أحمل وزر السوريين في ذنب لم أرتكبه، ويالها من صورة قبيحة مخجلة أخذها الدكاترة الفرنسيون الذين أتوا إلى سوريا عنا  ورأوا  بأم أعينهم ماذا تعني المواعيد العربية؟؟

كثيرة تلك هي الأمور التي تلفت النظر هنا فهناك أمور رائعة جدا تجعلك تسر كثيرا لمرآها وتتمنى أن تكون في بلدك وتتحسر على أن أصبحت بلادنا سورية تحت حكم أربعين سنة من التطوير والتحديث متقدمة عن الصومال بسبع مراحل فقط وأكرم به من إنجاز!!….كما أنك في الوقت نفسه ترى ما يندى له الجبين وتحمد الله أن بلدك على علاتها لا تحوي ما تحويه فرنسا هنا.

الشوارع هنا مذهلة فهي ليست عريضة إذ أنهم هنا يفضلون تضييق الشوارع على حساب الحدائق التي تكون امام البيوت ولكنها منظمة تنظيما رهيبا بحيث أن لكل شارع تخطيطات عدة، ولكل شارع قسمين قسم للسيارات وقسم للمشاة مستقل، وفي غالب الأحيان هناك قسم آخر للدراجات كما ان الشارع نفسه في أقسام أخرى يحوي على ممرات خاصة للعجزة وذوي الاحتياجات الخاصة من مقعدين وعميان وغيرهم، إضافة إلى صفائح معدنية  بيضاء في كل الشوارع تحتوي على بقع مدببة تساعد المكفوفين على المسير وتعلمهم بوجود المواقف والتقطيعات وغيرها، وقد وقفت حوالي ربع ساعة أتابع امراة عجوزا مكفوفة كيف كانت تمشي وتقطع كل هذه المواقف لوحدها وقد ندمت أشد الندم لانني لم أخذ الكاميرا معي في الصباح لأصورها كيف تفعل كل ذلك، مما يدعوك للاستغراب أن أصحاب الاحتياجات الخاصة هنا لهم جميع الحقوق. وهناك في القانون إجبار لكل المؤسسات بأن تقوم بوضع نسبة معينة من المعاقين كموظفين عندها فما يناسبهم لدمجهم في المجتمع.

أما الأرصفة فتحتوي على تخطيطات أخرى لم أفهمها كلها، ولكنها في الغالب تحتوي على مواقف  للسيارات ومواقف خاصة للمعاقين وهناك أيضا مواقف خاصة للدراجات، كما أن الأرصفة في اماكن تقطيعات المشاة او الإشارات او المواقف تنخفض حتى تكاد تمس أرض الشارع لتسهيل مرور المعاقين  عداك عن أن ارتفاع الرصيف مدروس بدقة بحيث انه إذا فتح باب الباص ووقف بجانب الرصيف فإن المعاق يستطيع أن يدخله بالعربة بكل يسر وسلاسة

الشوارع كلها هنا محدبة بحيث أنه عند سقوط الأمطار تنساب المياه إلى الأطراف  حيث توجد بكثرة فتحات للتصريف وكذلك الأرصفة فهي جميعها مائلة بزاوية معينة باتجاه الشارع وذلك لتجنب تراكم المياه حيث ان الامطار هنا تنزل بغزارة شديدة بحيث أنها يمكن ان تنزل في يوم واحد ما يعادل ما ينزل في دمشق خلال فصل الشتاء كله

شرطة المرور هنا غير متواجدة ولم ألاحظ وجودهم أبدا إذ أن تصميم الشوارع وتخطيطها وتواجد الإشارات بكثرة لا يستدعي وجودهم وإذا وجدوا فمن اجل فحص السائقين الذين يكونون تحت تأثير السكر أو المهربين الذين يتاجرون بالمخدرات أو المهاجرين غير الشرعيين

عند التقاطعات  ستذهل كيف أن الإنسان الماشي له اولوية يحترمها الجميع ويقفون له و يطلبون منه المرور مع الابتسام في وجهه وقد كنت أظن ان هذا تصرف فقط محترم من البعض، ولكنك مع الوقت تلاحظ أن هذه عادة عند الجميع وأحيانا تكون السيارة مسرعة بشكل كبير وأنت تود المرور والطريق ليس لك فتقف السيارة على بعد مئتي متر منك لتدعك تمر طبعا مع الابتسام والسلام.

نتيجة للمعدل الهائل لسقوط الامطار هنا فإن الطبقة الخضراء هنا رائعة جدا وكأنها قطعة من الجنة والانهار الكثيرة التي تصادفها أينما مررت تعطي منظرا رائعا يسبح الله، وهناك كثير من الأشجار التي لا تنمو ولا نعرفها في بلادنا كما ان هناك أشجارا نعرفها ولكن أوراقها هنا كبيرة جدا بشكل غريب كالمرجان والزيتون والصنوبر  وغيره مما لا أعرفه.

لكل منزل تقريبا هنا حديقة خاصة به وهنا تلاحظ اسرافا في الاهتمام بالحدائق الخاصة من قبل السكان فكل صباح أثناء ذهابي للجامعة أرى أغلب الناس تعتني بحدائقها من سقاية وحراثة وغير ذلك رجالا ونساء، وفي كل حديقة أشجار على المحيط وأزهار على المداخل وبيت للكلب يصمم بعناية  وبضعة العاب للأطفال تتخللها ورود وكتل من المرجان ونباتات أخرى لا أعرفها لكنها تحتوي زهورا بألوان ناصعة جدا تعطي تباينا رائعا ومما يلفت النظر أيضا أن حجم الزهرة فيها كبير جدا بحجم الكف المتوسطة تقريبا

أغلب الناس هنا مهما علت مراتبها ومهما كان سنها تركب الدراجة لأهداف مختلفة إما للرياضة وإما للحفاظ على البيئة او للتنزه ، وسائق الدارجة يعامل معاملة سائق السيارة تقريبا فهو يقف على إشارات المرور وله أحيانا طرق خاصة به لا تحتوي إشارات أبدا، وأغلب الناس ترتدي خوذة خاصة مفروضة بالقانون كما يركب أغلبهم على دراجاتهم شيئا خاصة يضعون فيه أطفالهم له مظلة تمنع الشمس وغطاء ضفاف لا يحجب الرؤية  ويقودون بهم في الشوارع في منظر جميل

مما يجعلك تضحك كثيرا ان ترى عجوزا في الستين او السبعين من عمرها تركب الدراجة وتقودها باحتراف، وتسلم على فلان وفلان أثناء قيادتها  ، وقد قمت بمحاولة لتصوير بعض من تلك العجائز اللواتي كن يقمن بنزهة على الدارجات لكن نظرات الناس من حولي بدأت تأكلني أكلا تقول لي أن هذا تعد على حريتهم وغير مقبول فآثرت السلامة وأطفات الكاميرا وغادرت المكان بسرعة. لكن ما يزيد من جرعة ضحكك ان ترى هذه عجوزا معهم تظن نفسها صبية بنت سبع عشر ترتدي ما يكشف أكثر مما يستر.

هنا الناس نشيطة جدا فاغلبها يمارس الرياضة بشكل يومي تقريبا ويعتني بحديقته بشكل يومي أيضا ولا ننسى الكلب المحترم الذي يحتاج إلى شم هواء وقت العصر.

 هناك استقلال غريب واعتماد على النفس في كثير من الأمور فمغاسل السيارات هنا لا تحوي موظفين وإنما توجد حصالة و مكان لصف السيارة وخرطوم مياه عالي الضغط  لا يعمل إلا بعد وضع النقود يأتي الإنسان بسيارته مهما كان موظفا او مديرا او طبيبا أو رئيس جامعة فيصف سيارته ويضع النقود في الحصالة ويبدأ بغسل سيارته بيديه وقد كان هذا شيئا عجيبا هنا

نفس الشيء ينطبق على مغاسل الثياب فهناك محل للغسيل لا يحتوي موظفين!!! فهو مؤتمت بالكامل غسالة لا تعمل إلا بعد وضع النقود وكذلك ألة التنشيف وكذلك ألة سحب الدواء وألة سحب معطر الثياب،  فوق كل ألة توجد تعليمات الاستعمال بالفرنسية و أحيانا بالانكليزية إذا كانت الألة خطرة او تتطلب تعليمات أمان خاصة، ولا يأتي صاحب هذه المغسلة إلا في المساء لسحب النقود  ولتنظيف المحل إن كان به شيء. والمحل يغلق تلقائيا في الساعة التاسعة مساء وإذا كنت في الداخل وملابسك لم تنته بعد فيمكنك الخروج إذا كنت في الداخل ، أما إذا كنت خارجا فلا يمكنك الدخول بعدها إلا لليوم التالي. ولا ننسى أنا المحل فيه مقاعد خاصة للجلوس وترى أغلب الناس تجلس فيها تقرأ شيئا ما بانتظار ان تنتهي الغسالة او آلة التنشيف من عملها!

نفس الشيء هنا ينطبق على المطاعم الجامعية التي دخلتها فهناك بطاقة خاصة للدفع  والوجبة هنا مدروسة بحيث أنها تحتوي مقبلات ووجبة أساسية (لا تخلو طبعا من لحم خنزير!!!)  وتحلية او فاكهة بعدها ، وهنك أماكن خاصة قسم للمقبلات وقسم للوجبة الأساسية وقسم للتحلية وقسم لأدوات الأكل من صحون وملاعق وكؤوس تأخذ ما يناسبك من كل هذا وتدفع ومن ثم تذهب لشأنك وتحمد الله كثيرا أنك لا تقوم بالجلي بعد انتهاء وجبتك لأنك دائما لا تأكل إلا المقبلات والتحلية وتخرج وأنت تكاد تموت من الجوع !!

نفس الأمر ينطبق على مكان تصوير الأوراق فهو له مكتب خاص في الجامعة يحتوي على عدة مكنات تصوير ولكل طالب أو دكتور أو سكرتيرة ( وحتى رئيس الجامعة ) بطاقة تحوي كودا معينا يقوم بشحنها بالنقود بمقدار معين ( مجاني لكادر الجامعة  من موظفين ودكاترة)  ومن ثم إذا أراد التصوير فإن الألة لا تعمل إلا بهذا الكود ويقوم بتصوير ما يشاء بنفسه  متى يشاء وبذلك يتجنب الازدحام الكبير، وتوفر الجامعة أجرة موظفة هذا القسم، وتتذكر من فورك  أن مكتب التصوير في الهمك يحتوي على الاقل سبعة موظفين والازدحام فيه وقت الامتحانات لا يطاق!!

كان يوما شاقا جدا ومتعبا خاصة انه جاء بعد فترة طويلة من الأخذ والرد وفي ظروف سيئة جدا من قمع العصابات التي تحكم سوريا لثورة الشباب بعد اشتم عبيق الحرية التي حمله إليه ربيع الثورات العربية  التي أراد الله بها ان يقول  لكافة الطغاة إنه اكبر منهم جميعا وانه مالك الملك ينزعه ممن يشاء حتى ولو كان يجهزه لولده بعد ان وثق أنه باق له بعد أن ربى جميع الناس على أنه باق إلى الابد ويتهف بذلك الصغار والكبار والشيوخ والعجائز في مسرحية هزلية ممجوجة تذكرك بقول الشاعر
أمتي كم صنم مجدته ….لم يكن يحمل طهر الصنم
 
كان الطريق إلى  المطار قصيرا لا يتجاوز نصف ساعة تقريبا ولكني كنت أراه طويلا جدا لأننا اليوم في ظل نظام حكم الاسد وخاصة عندما قامت الثورة ضده قد امتلأ الدنيا بالحواجز الامنية ورجال المخابرات والشبيحة الذين تراهم أينما نظرت وقد كنت قلقا من أن يحصل معي شيء لا سمح الله يهدم كل بنيته خلال السنتين السابقتين في التحضر لهذه الرحلة خاصة وأني أنحدر من أسرة ذات صفحة سوداء عند تلك العصابات ولكن الله سلم وتمت الأمور بخير
 
إجراءات المطار ليست بتلك الصعوبة ومعاملة الموظفين هناك طيبة ويبدو أنه تم تدريبهم بشكل او بأخر على احترام القادمين والمغادرين لان مطارات الدول بشكل عام هي واجهة الدول إلا أن مناظر الناس المستلقين هنا وهناك والذين لا يوجد مقاعد لينتظروا فيها فاضطرهم التعب والإنهاك على التمدد في أرض المطار مما يعطي منظر بائسا شبيه بوضع سورية تحت حكم الأسد رغم كل تلك المساحيق التجميلية والترقيعية لذلك الوجه القبيح
 
طبعا لم تقلع الطائرة إلا بعد موعدها بنصف ساعة فقط وهذا ليس بالامر المستهجن إذ ان هناك بعض الطائرات التي لا تقلع إلى بعد خمس أوست ساعات لذلك فقد كان هذا أمرا عاديا جدا لا يدعو للقلق بل ويطمئنك ان مسيرة الإصلاح تجري على قدم وساق وتسابق الزمن كما تقول قناة الدنيا  ادام الله لنا قائد مسيرتها
 
في الطائرة لم يكن بجانبي إلا مقعد فارغ ورجل الماني يبدوا عليه الطيبة ولكنه ليس اجتماعيا كما يبدوا لذلك فقد تركته في شأنه لينام ولا أدري كيف يستطيع كل أولئك الناس النوم في الطائرة وخاصة انك معلق بين السماء والأرض وفيي لحظة انت في أمس الحاجة فيها إلى الالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى  حتى أنها لأهميتها قد ذكرها الله في كتابه العزيز أثر من مرة وركز عليها. لذا فقد كان النوم أخر ما أفكر فيه وأنا أتذكر في تلك اللحظة كل ما فعلته سرا والله مطلع علي فيه وانا أختبئ خوفا من أن يراني أحد رغم انني أعلم أنني تحت عين من لا تخفى عليه خافية وفي تلك اللحظات فإنك لا تشعر إلا أنك صغير وصغير جدا تلجأ بضعف إلى من تعصيه جاهرا نهارا  وتخشى من كل قلبك أن يحشرك مع الذين إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها.
 وتشعر أنك في لحظة اقرب ما تكون إلى الله سبحانه وتعالى وتشعر معنى اسمه الودود الذي يقبل من يقبل إليه ويعطيه راحة وطمأنينة لا تعدلها أية لذة في هذه الأرض .
عند الوصول إلى مطار فرانكفورت  تذهلك المساحات الشاسعة لذلك المطار وإحاطته بالمساحات الخضراء التي تعطيه منظرا رائعا وخاصة من اعلى  ومن الطائة يبدوا المنظر رائعا خصوصا مع النهر الكبير الذي يمر بجانبه وقد كان منظرا بديعا رائعا
اما في مطار باريس فالوضع نفسه مع إلا ان القاعات في الداخل منظمة تنظيما مذهلا والناس هناك كل في دوره بدون مشاكل وبدون مزاحمات كما أنك لست بحاجة إلى من يدلك على شيء فطالما أنك تتكلم الفرنسية او الانكليزية فهناك لوحات وشاخصات وإشارات تدلك على أي مكان تود الذهاب إليه لذلك لم اواجه بحمد الله أي مشاكل  كما يذهلك امتلاء القاعات بأماكن للجلوس أينما ذهبت وتدهشك نظافتها ولمعانها
من الامور الجميلة هناك هي طبيعة الناس هنا فهم جميعا لطفاء في التعامل و يساعدونك بكل ما يستطيعون وبابتسامة لا تفارق محياهم عند الكلام معك ويزيد هذا الامر عندما تود ان تستشير موظفا ما وهم منتشرون بكثرة وخاصة في محطات المترو والقطارات  التي تحوي نظاما جديدا بالنسبة لنا وليس من السهولة للمرة الأولى أن تركب فيه او تقطع تذكرة له ولا بد من استشارة البعض من الموظفين او الناس هناك والذين  يساعدونك بكل أريحية وطيبة وابتسامة وكلمات مجاملة يبدو أنها أصبحت متجذرة في نفوسهم
سائق الباص بحد ذاته أثار استغرابي فهو يقف في المحطة الخاصة داخل مكانه خلق المقود ويسلم بابتسامة على كل من يصعد إلى الباص ويسأله عن وجهنه ويأخذ منه النقود ويعطيه الوصل بالمحطة ومقدار كمية النقود  وهناك بالطبع في الأسفل من يساعدك لوضع أغراضك داخل الباص يذكرك إلى حد كبير بذلك الذي يصرخ كل خمس دقائق مين ما حاسب ورا في بلدك الحبيب ولا يرد السلام عندما تصعد إلى الباص إلا ب ” أهلا يا حبيب” هذا إن رد عليك …..ومما يلفت النظر أيضا في المترو او في الباص أن الناس تتكلم بالهاتف المحمول همسا مع وضع أيديهم على فمهم حتى لا يزعجوا جيرانهم الذين  بقرؤون بجانبهم وقد لمحت هذا بكثرة في المترو او في الباص عداك عن الناس الذين يحملون معهم رواياتهم او كتبهم او اوراقهم الخاصة حيث يستغلون فترات الركوب في وسائل النقل هذه فيما ينفع …وطبعا كما هو الحال عندنا هناك الكثير ممن يحملون جوالاتهم ويلعبون بها أو يدردشون او يصورون  هذه وتلك….
في المحطات بشكل خاص ترى هناك العجب العجاب فنوعية الملابس التي يلبسها الناس هنا تكشف أكثر مما تستر والناس أغلبهم رجالا ونساء عرايا او انصاف عرايا كما ترى الانحلال بشكل كبير عن وداع الناس لبعضهم عند الركوب في القطارات وقد يهولك ان ترى أن إبليس قد نجح في نزع لباس الناس وكشف سوءاتهم إلى حد لم تكن تتخيله…
الشوارع بشكل عام فارغة ولا ترى كثيرا من الناس في الشوارع مساء خاصة وأن الشمس هنا تغرب في الساعة العاشرة مساء في دمشق أي اننا يمكن ان نصلي العصر هنا في وقت صلاة العشاء في دمشق مما يعطيك إحساسا بالوحشة في الشوارع وتجدها على جمالها وتنظيمها كئيبة حزينة

رسائل التوصية هي ببساطة أن يقوم دكتور في الجامعة بكتابة رسالة تنص على أنك مؤهل لشيء ما. تستعمل رسائل التوصية عادة من أجل القبول الجامعي، كما أنها تستخدم من أجل التقدم للوظائف.
تعتبر رسائل التوصية من الأمور المهمة جداً في تحديد القبول الجامعي، وهناك عدة عوامل تلعب دوراً في هذه الرسائل ومنها:

  1. المرتبة العلمية للشخص الذي كتب الرسالة، فقوة الرسالة التي يكتبها محاضر تختلف بشكل كبير عن الرسالة التي يكتبها عميد الكلية، كما أن الرسالة التي يكتبها دكتور مساعد تختلف عن تلك التي يكتبها دكتور بمرتبة أستاذ.
  2. مدى صلة الطالب بالشخص الذي يكتب رسالة التوصية والمدة الزمنية التي عرفه خلالها والمشاريع التي عمل فيها تحت إشراف الدكتور.
  3. شهرة الدكتور الذي يكتب رسالة التوصية والمجالات العلمية التي يعمل بها والأبحاث العلمية المسجلة باسمه.
  4. فبرسالة التوصية يقوم الشخص الذي يكتبها بكفالة الشخص الذي يكتب عنه، وتأهيله لشيء ما، وبالتالي إذا لم ينجح هذا الشخص لاحقاً فإن جزءاً من اللوم قد يقع على الشخص الذي كتب الرسالة.

ولكن بما أن معظم هذا الكلام لا ينطبق علينا نحن كطلاب سوريين، فما هي الطريقة للاستفادة من هذه المعلومات؟

في البداية علينا أن نعرف أن رسائل التوصية هي شيء لا غنى عنه، وليس من الممكن أن نحصل على قبول جامعي بدون ذلك.

علينا أن نتقبل أن معظم دكاترة الجامعات لا يتحدثون أو يكتبون اللغة الانكليزية بطلاقة، وبالتالي علينا أن نكتب نحن رسائل التوصية. وحتى ولو كان الدكاترة يتحدثون هذه اللغة، فإنه من الأفضل أن نكتب نحن رسائل التوصية، حيث أن هذه الرسائل يجب أن تكون مصاغة بطريقة محكمة لأن الشخص الذي يكتبها من المفترض أن يكون صاحب مرتبة علمية عالية. في الحقيقة كثير من الأحيان يطلب الدكاترة من الطلاب أنفسهم أن يكتبوا رسائل التوصية نظراً لانشغال الدكاترة، وبعد ذلك إما أن يوافق الدكتور عليها أو لا.

عليك أن لا تبالغ في الرسالة، فمثلاً من غير المعقول أن يكتب رئيس القسم رسالة توصية بطول صفحة كاملة، لأنه يجب أن يكون مشغولاً بحيث لا يتسع وقته لأن يكتب لكل طالب يريد أن يكمل دراسته صفحة كاملة.

أن تعرف من تختار من الدكاترة، ويفضل عادة أن تحصل على رسالة قصيرة من رئيس القسم ورسالة من دكتور عملت معه لمدة لا بأس بها، كالدكتور المشرف على مشروع التخرج، بالإضافة إلى دكتور آخر يعرفك معرفة جيدة.

أن لا تكتب بأسلوب ساذج، فالرسالة يجب أن تكون محكمة الصياغة تحتوي على أمثلة تشير إلى مقدرة الطالب على النجاح في البرنامج الذي يتقدم إليه. فمثلاً إذا ورد في رسالة التوصية عبارة “إن فلان هو طالب جيد” فهذا دليل على أن الطالب هو من المستوى المتوسط أو أقل، ولكن يجب أن يكتب “لقد عملت مع فلان في المشروع الفلاني وقد أبدى قدرة ممتازة في التعامل مع العديد من المشكلات كـ ……”

من الضروري أن تكون إحدى الرسائل من شخص عملت معه على مشروع أو بحث علمي وهذه الرسالة ستكون الأهم بين الرسائل.

النقاط الثلاثة الأساسية في رسائل التوصية هي الأداء الأكاديمي، والقدرة على البحث العلمي، والقدرة على التعامل مع زملاء الدراسة والعمل، بالإضافة إلى الدور القيادي.

يجب أن تغلق جميع رسائل التوصية وتختم بخاتم الكلية وذلك للدلالة على أن الأمر تم بشكل رسمي في الجامعة وتحت إشرافها.

يجب أن يترك في رسالة التوصية معلومات للاتصال بالشخص الذي كتب رسالة التوصية، وعلى الرغم أن عنوان البريد الالكتروني يجب أن يترك في الرسالة، إلا إنني حاولت أن أترك رقم هواتف الدكاترة عوضاً عن ذلك، خوفاً من يتم الاتصال بالدكاترة عن طريق البريد الالكتروني ليتبين لاحقاً أنهم لا يجيدون اللغة الأجنبية. كما أنه يجب أن يوجد مخدم واحد للبريد الالكتروني لجميع الأشخاص الذين ينتمون للجامعة سواء الدكاترة، الطلاب أو العاملين، وإذا قام دكتور باستعمال بريد الكتروني كـ hotmail أو Gmail فذلك يعطي صورة سلبية إلى حد كبير.

إن رسائل التوصية لا يمكن كتابتها في يوم أو يومين، وإنما تستهلك وقتاً لا يقل عن أسبوعين ويجب أن تترك مدة كافية للرسائل.

يوجد العديد من النماذج لرسائل التوصية على الانترنت، وطبعاً لا يجب أن تنسخ رسالة كاملة وإنما تقوم باختيار عبارات محددة، كما أن هذه العبارات يجب أن لا تكون شديدة المبالغة والمدح.

عندما تقوم بكتابة رسالة التوصية عن نفسك حاول التركيز على المهارات التي لديك والأشياء التي تتميز بها والتي تحس في نفسك القدرة على ممارستها.

أحترم الأشخاص الذين يغادروا مختبراتهم بعد منتصف الليل، ويعودون إلى العمل قبل الثامنة صباحاً.

أحترم زميل المكتب الذي أراه يوم الإجازة الساعة 7 والنصف صباحاً يشتري قهوة الصباح، وعندما أسأله إلى أين هو ذاهب، يجيب: إلى مكتبي، حيث أنني تأخرت اليوم قليلاً لأن اليوم عطلة.

أحترم هؤلاء الأشخاص الذين يمضون العطل الأسبوعية في مخابرهم ومكاتبهم يعملون لوقت متأخر.

أحترم الدكاترة المشغولين جداً خلال الأسبوع، الذين يستحيل مقابلتهم إلا يوم الأحد مساءً عندما يكونون يعملون في مكاتبهم دون علم أحد.

أحترم الدكتور المشرف عليّ عندما يرسل إليّ ببريد الكتروني طويل يوم الأحد مساء يشرح فيه فكرة بالتفصيل، لم يجد وقتاً لكتابتها طوال الأسبوع.

أحترم الأشخاص الذين يستيقظون حوالي السادسة صباحاً حتى يصلوا إلى أعمالهم نشيطين وقد تناولوا طعام الإفطار.

أحترم السكرتيرة التي تصل إلى مكتبها في السابعة صباحاً (علماً أن دوامها يبدأ في الثامنة) وتبقى في مكانها إلى ساعة المغادرة، ولكن ذلك لا يمنع أن تقرأ كتاباً عندما تأخذ استراحة الغداء.

أحترم الطلاب الذين يأكلون غدائهم في مخابرهم وأمام شاشات الكمبيوتر، ولا يمضون أكثر من نص ساعة.

أحترم الطلاب الذين يعملون من الصباح الباكر، ثم يذهبون إلى محاضراتهم عند الساعة الخامسة مساء، ليعودوا مرة ثانية إلى مكاتبهم لينجزوا ما تبقى من أعمالهم قبل أن يذهبوا إلى منازلهم.

أحترم الدكاترة الذين يتعاملون مع طلابهم بأسلوب أبعد ما يكون عن التكلف، وأقرب ما يكون إلى الصداقة… حتى يكون التواصل المعرفي أسهل وأقرب.

أحترم علاقات العمل بما فيها من احترام ودقة ومباشرة وبعد عن الكلام المضيع للوقت.

أحترم أمينة المكتبة التي تستقبلك بابتسامة لا يتسع لها وجهها، وتهتم بأسئلتك أكثر مما تهتم أنت… ثم تجد لك الأجوبة حتى لو اضطرت أن تمضي الساعات تبحث في الكتب والمراجع.

أحترم طلاب الأبحاث الذين لا يبدؤون العمل على المعدات الثقيلة إلا بعد التاسعة مساء أو خلال أيام العطلة الأسبوعية حتى لا يزعجوا الطلاب الآخرين خلال محاضراتهم.

أحترم الطلاب الذين يعملون بجد وشغف لا مثيل له من أجل أن يبنوا سيارتهم للمشاركة في السباق السنوي الذي سيقام بعد تسعة أشهر، ثم يتخرجون بشي عملي يستطيعون بمقتضاه الحصول على عمل بسهولة أكبر.

أحترم كيف أنك تتفاجأ إذا سمعت أياً من زملائك يتحدث عن هوياته…. فعلى الرغم أنهم يعملون صباح مساء، إلا أنه بارعون في العديد من الهوايات والبعض مجاز بها دولياً أيضاً.

أحترم عندما يتحدث زملاء الصف عن أفكارهم العامة، التي نتجت عن قراءات لا حصر لها وفي مواضيع متشعبة جداً… مما يجعلنا نجد أن ما نقرأه في خمس سنين يقرؤونه في سنة.

أحترم زملاء العمل الذين تراهم يمضون أوقات اجتماعية مليئة بالصخب والمرح، ثم يعودون إلى العمل في الصباح التالي بكل جدية دون أن يأثر ذلك على نشاطهم ودون أن يتحدثوا عن الليلة الماضية بتبجح أو بغير تبجح.

أحترم أنك لن تتلقى إجابة على سؤالك إذا لم تعرف ماذا تسأل…. وأنه ببساطة يتم تجاهل سؤالك… لأنه ليس لأحد الوقت أن يسخر منك أو يصحح لك… وإنما ببساطة عندما تعرف ماذا تريد، تجد الجواب.

أحترم كيف أنه من الصعب أن تجد أحداً تقل سرعة كتابته على الكمبيوتر عن 70 كلمة في الدقيقة، لكنه يعتبره أمراً طبيعياً ومسلماً به.

إنه مزيح من الاحترام، يجعلك تقدر عمل الآخرين، ويدفعك للعمل بجد حتى تحظى باحترامهم وتقديرهم.

بقلم : ر.م

تحدثت في المرة السابقة عن اللغة الانكليزية والامتحانات المختلفة. وسأتحدث الآن في هذه المقالة عن الأوراق المطلوبة من الجامعة الأساسية وأهمية المعدل العام.

سواء كان الطالب يريد الانتقال إلى جامعة غربية لإكمال دراسته الأساسية أو يريد أن يتابع دراسات عليا، عليه أن يبرز (وبصورة كشف علامات) كافة المواد التي درسها في جامعته.

إن كشف العلامات في الجامعات الغربية هو وثيقة من السهل جداً الحصول عليها، وعادة تطلبها الكترونياً وبإمكانك أن ترسلها بشكل مباشر إلى جامعة أخرى، الذين بدورهم يستطيعون التحقق من مصداقيتها بسهولة أكبر من أن يكون كشف العلامات عبارة عن مجموعة من الأوراق.

كما أنه يوجد في كل كلية مكتب متخصص لقراءة أوراق التخرج وكشوف العلامات المرسلة من الجامعات الأخرى. وهذا المكتب يكون عادة مطلع على مستوى معظم جامعات العالم ولديه إلمام بطرق التقييم في هذه الجامعات.

فمثلاً، يطلب عادة من الطلاب المتقدمين للدراسات العليا أن يكون لديهم معدل يفوق الـ 80% (على ما أعتقد) ولكن كما هو معروف في كلية الهمك، فإنه لا يوجد إلا عدد قليل يتجاوز هذا الرقم، مقارنة مع عدد كبير من الطلاب في جامعات أخرى. ولكن مكاتب التعديل في الجامعات تأخذ هذا بعين الحسبان وتكون نتيجة التعديل اعتماداً على المعدل الوسطي لعلامات الطلاب، عوضاً عن القيمة العليا للعلامات.

ولكن من الأسئلة المطروحة:

 ما هي أهمية المعدل العام؟؟؟ وهل من الضروري أن يكون الطالب من الأوائل؟؟

بشكل عام وللإجابة عن هذا السؤال، عليك أن تفكر من منطلق أن هناك شخصاً سوف يقرأ ملفك ويحاول تحديد إذا كنت ستقبل في البرنامج أو لأ….
طبعاً إن حصولك على علامات عالية سوف يحسن فرص قبولك ولكنه ليس شرطاً أساسياً…. ولكن عندما يكون تحصيلك الدراسي متوسط، يجب أن يكون هنالك شي آخر تتميز به. بمعنى آخر، يجب أن يكون لديك مهارة في مجال ما تعوض عن تقصيرك الدراسي (إن كان تقصيراً) وإذا كنت مميزاً في موضوع ما لحد كبير، فإن هذا سيمنحك أفضلية أمام كثيرين من الذين لا يتميزون إلا بالأداء الأكاديمي.

ولكن كيف تعرف إذا كنت مميزاً في مجال معين أو لا؟

حاول أن تكتب سيرتك الذاتية، وإذا وجدت نفسك تكتب عن شيء ما مطولاً لأنك تعرف عنه الشيء الكثير، فهذا يدل على أنك مميز في هذا المجال، أو عندما تكتب سيرتك الذاتية وتكون بمقدار صفحتان أو أكثر، فهذا دليل على أنك لديك مهارات في مجالات متنوعة.

 

والآن وبعد أن تحصل على كشف العلامات ومصدقة التخرج وشهادة التخرج عليك أن تقوم بترجمة هذه الأوراق….
من الأفضل القيام بعملية الترجمة عن طريق شخص لديه خبرة في مراسلات الجامعة، ويجب أن توضع الأوراق الأصلية (المكتوبة باللغة العربية) مع الأوراق المترجمة.

ولكن، ما هي التواقيع المطلوبة على هذه الأوراق؟؟

كان العديد من خريجي الجامعات يقومون بتصديق كافة الأوراق من وزارة الخارجية ووزارة التعليم العالي، وكان هذا هو الشيء السائد. وفي يوم من الأيام، فكر أحد الأشخاص بأن لا يقوم بتصديق هذه الأوراق من الخارجية، ولكن طلبه في الجامعة التي يراسلها قوبل بالموافقة، واكتشف الشباب أنه ليس من الضروري تصديق الأوراق لا من وزارة الخارجية ولا من وزارة التعليم، وعندما يصل الطلاب إلى الجامعات الغربية فإنه يجد كم هو شيء غير مألوف أن يوقع الأوراق من وزارة الخارجية، لأن أمور الجامعة تتعلق بالجامعة فقط وليس بأي وزارة.

وبالتالي فإن النصيحة الوحيدة التي أقولها ختاماً لهذا الموضوع هو أن تصور كشف العلامات ومصدقة التخرج عندما تحصل عليها حوالي العشرين نسخة وأن تترجم أكثر من عشر نسخ لأنك بشكل أو بآخر ستحتاج هذه الأوراق وخذ هذه الأوراق معك إلى بلد الدراسة لأنه من الصعب حصولك عليها بعد وصولك إلى بلد الدراسة.

وإلى لقاء قريب بإذنه تعالى

التميز

Posted: يناير 13, 2011 in مقالات وأراء

كثيراً ما نقابل أشخاصاً في حياتنا هم أقل منا ذكاء وأقل منا مرتبة في التحصيل العلمي. واعتماداً على الكثير من المقاييس نجد أننا نفوقهم بدرجات، ولكن في الحياة العملية وعلى أرض الواقع نراهم يحصدون نتائج أفضل منا بكثير، ونراهم يرتقون في السلم الاجتماعي بسرعة في حين نمضي نحن الوقت الطويل في الدرجات الأولى.

قد نعزو هذا في كثير من الأحيان للحظ السعيد، وللواسطة ولأشياء أخرى نعلق عليها إحباطنا وخيبة أملنا…. ولكن في لحظات الحقيقة نؤمن بداخلنا أن هناك أشياء أهم بكثير من هذه التوافه قد ساعدت هؤلاء الأشخاص في وصول إلى ما وصولوا إليه ولكن من الصعوبة بمكان أن نحدد هذه الأشياء.

ونظراً لأني فكرت مطولاً بهذا الموضوع، ونظراً أن أحداً من أصدقائي الكرام لم يكتب بهذا الموضوع من قبل (على حد علمي)، سأكون من يخطو هذه الخطوة وكلي أمل أن ترشدونني حينما أخطأ وأن تصوبوني عندما أحيد.

عندما حاولت أن أضع جواب لهذه التساؤلات السابقة بكلمة واحدة، لم أجد جواباً أفضل من التميز.

ولكن أي نوع من التميز؟؟ هل هو التميز الدراسي والمحافظة على المرتبة الأولى في الصف؟؟ أم التميز الاجتماعي والتعرف على أكبر عدد من الأصدقاء؟؟ أو التميز من ناحية المعلومات العامة ومعرفة شيء عن كل شيء؟؟ أم التميز الحاسوبي والبرمجي؟؟ أم التميز الرياضي؟؟ أم هو الذكاء فحسب؟؟

ولكي نوضح الصورة أكثر دعوني أطرح بعض الأمثلة:

كان هنالك شخص مميز في تحصيله العلمي، كان الأول على صفه دائماً، يحافظ على علاماته فوق مستوى معين، يحترم مدرسيه ويبادلونه الاحترام، دائماً ما يدعى أولياء أمره إلى حفلات التكريم…. ولكن في الوقت نفسه كان صاحب شخصية قوية، لم يدع أحداً أبداً ينتقص من كرامته ولا بشكل من الأشكال، ومن أجل ذلك كان يضطر في بعض الأحيان بأن يذكر الأشخاص المحيطين به بحدودهم، حتى لو كانوا مدرسيه أو زملاءه. في أوقات فراغه كان يمارس رياضة معينة بانتظام ويكرس لها وقتاً معيناً من حياته، ويحاول أن يتحسن بها حتى يصبح قادراً على المنافسة في مجالها. وفي الوقت المتبقي من حياته كان لا يفوت أن يمضي وقتاً مع أصدقاءه يرفه فيه عن نفسه ويدخل في الأحاديث العادية التي لا تخلوا محادثات الشباب منها….
هذا الطالب كان واحداً من أفضل خريجي كلية الطب، ونظراً لإتقانه عدد من اللغات الأجنبية، ولتنقله وعمله في مستشفيات في أنحاء مختلفة في العالم، ونظراً لقدرته في التحصيل العلمي وتميزه استطاع أن يكمل تخصصه في إحدى الدول الغربية وكان واحداً من الأطباء اللامعين.

القصة الثانية عن طالب آخر، كان مثلاً للطالب ذي القدرة (الذكاء) الذي لا يبذل جهداً كافياً للتحصيل العلمي، كان دائماً متأخراً على صفوفه، لا يكترث للامتحانات، يحصل على علامات متوسطة في معظم الأحيان، يشاغب في صفه لأن برأيه هناك أشياء أهم يجب أن تدرس، يوبخ دائماً من معلميه، وكالطالب الآخر كان أولياء أمره يأتون إلى المدرسة بانتظام ولكن لأسباب مختلفة تماماً. ولكن مع ذلك، كان يحافظ على حقه مصاناً دائماً، كان يدافع عن نفسه ويقف بوجه مدرسيه إذا حاولي التعدي على حقه، أو اتهامه بما لم يفعل.
عندما كان طلاب الإعدادية يحاولون حفظ قوانين الدائرة، كان هو يقرأ عن تاريخ اللوغريتمات ويحاول أن يعرف أصلها ومصدرها. وعندما كان الطلاب يحاولون أن يتعلموا طرق موازنة التفاعلات الكيمائية، كان هو يمضي وقته في مخبر الكيمياء محاولاً معرفة لماذا الماء ينقص عندما نضيف إليه الكحول ولا يزيد. وعندما كان الطلاب يدرسون علم الاجتماع، لا حباً في هذا العلم، وإنما ليكونوا الأوائل على الصف، كان هو يحاول أن يفهم الأشواط الأربعة في محركات الاحتراق الداخلي. وفي أوقات فراغه كان يمارس إحدى أنواع الرياضة، وكان يخطط لأن يصبح مدرباً في تلك الرياضة… كما أنه لم يوفر وقتاً مع أصدقاء في جدهم وهزلهم، ومشاكلهم وتخاصمهم، ولطالما ورط نفسه في مشاكل عديدة من أجل أصدقاءه، كان تنتهي أحياناً بنتائج غير حميدة.
في النهاية، استطاع هذا الطالب أن يدخل إلى كلية الهندسة الميكانيكية، وكل العادة لم يكن الأول على صفه ولكن كان يعلم الكثير من المعلومات الأساسية وغير الأساسية وفرت له الكثير من الوقت ليستطيع أن يقوم بالعديد من النشاطات والدورات خارج الكلية، ونتيجة لتميزه (وليس لتخرجه الأول على دفعته) استطاع أن يقبل في إحدى الجامعات الغربية وأن يقوم بالبحث العلمي مع إحدى الشركات المعروفة عالمياً.

وكان هناك طالب آخر، لم يكن ذو تميز كبير في دراسته، قبل بكلية التجارة والاقتصاد كالآلاف من أمثاله. احتشد مع كثيرين في المحاضرات، وعلم أن الكثير من وقته في الجامعة هو إضاعة للوقت. تطوع في كثير من النشاطات، وشارك في العديد من الفعاليات، تعرف على أشخاص كثر، وتعرف على بيئات مختلفة. تعلم كيف يقود الآخرين وأصبح من أحد الأعضاء الأساسيين في إحدى الجمعيات، واستطاع أن ينهض بالجمعية إلى مستوى آخر. كان كثير من الأشخاص يعتبرون أنفسهم محظوظين إذا تعرفوا إليه، وكانوا يحسدونه لأنه محبوب من الآخرين. تعلم لغات مختلفة وشارك في دورات تدريبية تدعم منهجه الأكاديمي. تعلم القدر في جامعته القدر الكافي لكي يكون قادراً على فهم الأمور المهمة دون تبحر في متاهات لا أصل لها. لم يهتم بعلامته بقدر كبير، ولم يكن الخريج الأول على دفعته. كان يمارس العديد من الرياضات، وكان بارعاً إلى حد مقبول في معظمهم. كان يمضي الكثير من وقته في أنشطة شبابية متنوعة، بعضها مفيد، وبعضها مضيع للوقت.
ولكن لاحقاً كان هو الشخص الوحيد الذي قبل من برنامجه في الحصول على منحة دراسية في إحدى الجامعات الغربية. حيث أثبت هناك وبكل جدارة بأنه شخص مميز مقارنة بزملائه من البلدان المختلفة، ليس أكاديمياً فقط، لكن اجتماعياً ولغوياً وعلى كثير من الأصعدة وأولها بقدرته على العمل الجماعي.

إن جميع الأشخاص السابقين تلقوا في مرحلة من حياتهم توجيها من أناس، أكبر سناً وأكثر قدرة على معرفة الخطأ من الصواب، توجيها بأن لهم القدرة على انجاز شي مميز، لم يكن هذا التوجيه بشكل توبيخ من المدرسين، أو كلمات الثناء كلما حصلوا على علامة جيدة. لم يكن هذا التوجيه يتضمن أي علامة أو درجة مدرسية. لم يكن التوجيه بأن يكونوا الأوائل على صفوفهم، ولكن كان التوجيه بأن يكونوا مميزين في أي مجال يبرعون به، بغض النظر إذا كان هذا هو الطريق المعروف للتميز أو لا…

إن كل الأشخاص السابقين أمنوا بسنة الله في الكون، بأن على الإنسان أن يعمل وأن يبذل كل جهده، وأن لا يخاف عندما يصادف شيئاً جديداً. أن لا يسخر من أفكار الآخرين وإن بدت غير مقبولة، أن لا يسخر من أي إنسان يفعل شيئاً غير الذي اعتاد عليه. أن لا يبرر جهله بأي شيء. أن يقتحم المصاعب ويرمي نفسه في المواقف التي لم يعتد عليها بعد، إن رأى أن له أملاً في تعلم شي جديد أو اكتساب مهارة جديدة.

إنه التميز بكل ما تحمله هذه الكلمة من معاني لا توصف بالكلمات ولكن بالأفعال والانجازات. إنه ذلك السر الذي يجعل (الحظ) يبتسم للآخرين والفرص تفتح أمامهم. إنه التميز الذي يضفي على القلب جرأة تدفع صاحبها لفعل المستحيل بحثاً عن مستقبل أفضل. إنه الأمل الذي يجعل الآخرين يؤمنون بأن العالم من حولهم سيتغير، وهم من سيبدءون بهذا التغيير.

بقلم ر.م